اتصل بنا +90 537 430 75 73

نفقة الأولاد في تركيا: كيفية المطالبة بها قانونياً

تُعدّ نفقة الأولاد — المعروفة في القانون التركي بـiştirak nafakası — من أبرز الضمانات القانونية التي يكفلها النظام القانوني التركي للأطفال في أعقاب الطلاق. فحين تنتهي الرابطة الزوجية وتُسند حضانة الطفل إلى أحد الوالدين، لا يعني ذلك إطلاقاً أن الوالد الآخر يستطيع التملص من مسؤوليته المالية. إذ يُقرر القانون التركي بصورة قاطعة أن كلا الوالدين يظلان ملزمَين بالإسهام في تربية الطفل ورعايته، بصرف النظر عمّن بادر إلى طلب الطلاق، أو أيهما يتحمل قسطاً أكبر من المسؤولية عن انهيار الزواج.

الأساس القانوني

يستند نظام نفقة الأولاد في تركيا إلى المادة 327 من القانون المدني التركي (Türk Medeni Kanunu)، التي تنص على أن كلا الوالدين ملزمان بتغطية نفقات رعاية أطفالهما القاصرين وتعليمهم. وتكملةً لذلك، تنص المادة 182/3 من القانون المدني التركي صراحةً على أن الوالد الذي لم تُسند إليه الحضانة ملزم بالإسهام في نفقات رعاية الطفل وصحته وتعليمه وسائر احتياجاته الأساسية، وذلك بما يتناسب مع قدرته المالية.

وجاء نص المادة 327 على النحو التالي:

“يلتزم الأب والأم بتحمل النفقات اللازمة لرعاية أطفالهما القاصرين وتعليمهم وحمايتهم.”

وهذا الالتزام لا يتوقف على مدى الإساءة أو الخطأ، ولا على اتفاق مالي أو أي ملابسات أخرى تتعلق بالطلاق. فحتى في حالات الخيانة الزوجية، إذا أُسندت حضانة الطفل إلى الزوج المخطئ، فإنه يحتفظ بكامل حقه في المطالبة بنفقة الأولاد من الطرف الآخر. ذلك لأن الأبوة والأمومة لا تنتهيان بانتهاء عقد الزواج.

من يحق له المطالبة بنفقة الأولاد؟

يثبت الحق في المطالبة بنفقة الأولاد للوالد الذي يتولى رعاية الطفل فعلياً وتُمنح له الحضانة المؤقتة أو الدائمة، أو للقيّم أو الوصي المعيَّن لرعاية الطفل، أو في حالات معينة للطفل القاصر نفسه إذا توافرت له الأهلية القانونية الكافية.

وقد نظّمت المادة 329 من القانون المدني التركي هذا الحق بصورة مباشرة:

“يجوز للأم أو الأب الذي يتولى رعاية الطفل فعلياً أن يرفع دعوى نفقة باسم الطفل في مواجهة الطرف الآخر. وفي الحالات الضرورية، يجوز للقيّم أو الوصي المعيَّن للطفل القاصر الذي يفتقر إلى الأهلية القانونية رفع هذه الدعوى أيضاً. كما يحق للقاصر المتمتع بالأهلية القانونية أن يرفع دعوى النفقة بنفسه.”

وتجدر الإشارة إلى أن نفقة الأولاد في القانون التركي مستقلة تماماً عن نفقة الزوجة (yoksulluk nafakası). إذ إن درجة إساءة الزوجين لا تؤثر في نفقة الأولاد بأي صورة، والهدف الوحيد منها هو ضمان إسهام الوالد غير الحاضن مالياً في تربية الطفل ورعايته الصحية وإسكانه وتعليمه، وفق ما تسمح به إمكاناته المادية.

كيف يُحدَّد مقدار النفقة؟

حددت المادة 330 من القانون المدني التركي معايير احتساب نفقة الأولاد، إذ تنص على أن يُقدَّر المبلغ مع مراعاة احتياجات الطفل وظروف معيشة الوالدين وطاقتهما المالية، فضلاً عن أن المحكمة تأخذ بعين الاعتبار أي دخل يعود على الطفل نفسه.

ونص المادة 330 كاملاً هو:

“يُقدَّر مقدار النفقة مع مراعاة احتياجات الطفل وأحوال الوالدين المعيشية وقدرتهما على الدفع. وتُراعى في تقدير النفقة إيرادات الطفل أيضاً. ويجوز للقاضي عند الطلب أن يُحدد في الحكم المبالغ الواجب دفعها في السنوات القادمة وفقاً للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للأطراف.”

وفي الواقع العملي، تُجري محاكم الأسرة التركية تقييماً شاملاً للحالة. وتشمل العوامل المأخوذة بعين الاعتبار: دخل الوالد الملزم بالدفع وقدرته المالية، ونفقات تعليم الطفل وصحته وإسكانه وتنقله ورعايته العامة، إضافةً إلى الوضع المالي للوالد الحاضن. والاعتبار الأسمى الذي يوجّه القاضي في جميع الأحوال هو مصلحة الطفل الفضلى، وهو مبدأ راسخ في القانون المدني التركي والتزامات تركيا بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل.

الخطأ في الطلاق لا أثر له على النفقة

يسود اعتقاد خاطئ في دعاوى الطلاق التركية مفاده أن الزوج المتسبب في الطلاق لا يحق له المطالبة بنفقة الأولاد. وهذا غير صحيح. إذ تُقرَّر نفقة الأولاد بمعزل تام عن مدى إساءة الأطراف، وتُحدَّد وفقاً لاحتياجات الطفل وحدها. وفي هذا تجلٍّ واضح لحرص الدولة التركية على تقديم مصلحة الطفل على سلوك الوالدين.

الإجراءات القضائية

تُطالب بنفقة الأولاد في تركيا عادةً في إطار دعوى الطلاق ذاتها. وفي الطلاق المتنازع عليه، تفصل محكمة الأسرة (aile mahkemesi) في النفقة جنباً إلى جنب مع الحضانة وسائر المسائل التبعية. أما في الطلاق بالتراضي، فيجوز للطرفين الاتفاق على مقدار النفقة وطريقة سدادها وعملتها، غير أن هذا الاتفاق وحده غير كافٍ إذ لا بد من إقراره من القاضي الناظر في القضية، الذي يملك صلاحية تعديل المبلغ المتفق عليه إن رأى أنه لا يحقق مصلحة الطفل.

وإذا لم تُطالَب بالنفقة خلال إجراءات الطلاق، أمكن تقديم طلب مستقل إلى محكمة الأسرة بعد صيرورة حكم الطلاق باتاً. وفي المناطق التي لا تتوفر فيها محاكم أسرة، تنظر المحاكم الابتدائية المدنية في هذه القضايا بوصفها محاكم أسرة. أما المحكمة المختصة في دعاوى النفقة بعد الطلاق فهي محكمة الأسرة في موطن الطرف المستحق للنفقة.

وتُسدَّد نفقة الأولاد في تركيا شهرياً ومقدَّماً. إذ تنص المادة 330 من القانون المدني التركي على أن النفقة تُدفع شهرياً وسلفاً.

التعديل والإنهاء

يُقرّ القانون التركي بأن الظروف تتغير بمرور الوقت. وتنص المادة 331 من القانون المدني التركي على أنه إذا تبدّلت الأحوال تبدلاً جوهرياً، جاز للمحكمة بناءً على طلب أن تعيد تحديد مقدار النفقة أو ترفعها كلياً. ونص المادة هو:

“إذا تغيرت الأحوال، أعاد القاضي بناءً على الطلب تحديد مقدار النفقة أو رفعها.”

واستقرت أحكام محكمة النقض التركية (Yargıtay) على أن مبالغ نفقة الأولاد تُعدَّل في العادة سنوياً وفقاً لمؤشر أسعار المنتجين (ÜFE) الذي يصدره معهد الإحصاء التركي (TÜİK)، وإن كان القضاء يملك صلاحية الأمر بنسبة تعديل مغايرة في الحالات الاستثنائية.

والقاعدة العامة أن نفقة الأولاد تنتهي ببلوغ الطفل سن الرشد، سواء بإتمام الثامنة عشرة من عمره، أو بالزواج، أو بقرار قضائي يمنحه أهلية مبكرة. بيد أنه إذا بلغ الثامنة عشرة وكان لا يزال في مسيرة التعليم، فقد تستمر التزامات الوالدين بموجب إطار قانوني مستقل.

تنفيذ أحكام النفقة

حين يمتنع أحد الوالدين عن سداد النفقة المقررة قضاءً، يوفر القانون التركي آليات تنفيذ فعّالة. إذ يجوز للوالد المستحِق للنفقة اتخاذ إجراءات التنفيذ بالتقدم إلى دائرة التنفيذ (icra dairesi) في موطن المدين، فتوجّه الدائرة أمر أداء إلى المدين، وإذا لم يتقدم باعتراض ولم يسدد خلال سبعة أيام، أصبح قرار التنفيذ نهائياً وجاز بعدها الحجز على الأصول.

وعلاوةً على التنفيذ المدني، يُتيح القانون الجزائي التركي أدوات ضغط إضافية، إذ قد يُعرِّض الامتناع المتعمد عن سداد النفقة المحكوم بها صاحبَه للمساءلة الجنائية وفق أحكام قانون التنفيذ التركي.

نفقة الأولاد المولودين خارج إطار الزواج

يجوز أيضاً المطالبة بنفقة الأولاد في إطار دعوى إثبات النسب (babalık davası)، وإذا وجدت المحكمة أن احتمال الأبوة قوي، جاز لها إصدار أمر نفقة مؤقت قبل صدور الحكم النهائي، وذلك لكفالة احتياجات الطفل خلال فترة التقاضي. ومتى ثبتت الأبوة قانوناً، سرى على الطفل النظام الكامل لنفقة الأولاد المنصوص عليه في القانون المدني التركي.


للمزيد من المساعدة أو الاستشارة في هذا الأمر، يمكنك الاتصال بنا.

الرئيسية مقالات- مشاركات مدونة إعلامية مقالات قانون الأسرة نفقة الأولاد في تركيا: كيفية المطالبة بها قانونياً
الرئيسية مقالات- مشاركات مدونة إعلامية مقالات قانون الأسرة نفقة الأولاد في تركيا: كيفية المطالبة بها قانونياً