ما هي حقوق المؤجر في قانون الإيجار التركي؟
تخضع علاقات الإيجار في تركيا بصفة رئيسية لأحكام قانون الالتزامات التركي (Türk Borçlar Kanunu، القانون رقم 6098)، الذي يُرسي إطاراً تشريعياً شاملاً للحقوق والالتزامات المتبادلة بين طرفي عقد الإيجار. وعلى الرغم من أن قانون الإيجار التركي يُعرف على نطاق واسع بما يكفله من حماية مشددة للمستأجرين، فإنه يمنح المؤجرين في الوقت ذاته منظومة متكاملة من الحقوق القانونية القابلة للتنفيذ، المصممة لصون ممتلكاتهم وحماية مصالحهم المالية. وتُعدّ الإلمام بهذه الحقوق أمراً لا غنى عنه لكل مالك عقار يعتزم الدخول في علاقة إيجارية في تركيا.
الحق في تحصيل الأجرة في مواعيدها
يُمثّل الحق في استيفاء أجرة الإيجار كاملةً وفي مواعيدها المحددة أساسَ حقوق المؤجر في ظل قانون الإيجار التركي. وحين يتخلف المستأجر عن السداد، لا يجد المؤجر نفسه أمام طريق مسدود، إذ يتيح له القانون التركي اللجوء إلى إجراء رسمي للمطالبة بالوفاء بموجب المادة 315 من قانون الالتزامات التركي، التي تُخوّله إرسال إنذار كتابي يطالب فيه المستأجر بالسداد خلال مهلة محددة. فإن أخفق المستأجر في الاستجابة، جاز للمؤجر المضي في إجراءات التنفيذ عبر القضاء أو مكاتب التنفيذ، مطالباً في آنٍ واحد باسترداد الأجرة المتأخرة وبإخلاء المستأجر من العين المؤجرة.
وفضلاً عن التخلف عن سداد دفعة واحدة، يمنح القانون التركي المؤجرَ حق المطالبة بالإخلاء عبر آلية ما يُعرف بـ”الإنذارين المشروعين”. فإذا تسبب المستأجر خلال سنة إيجارية واحدة في توجيه المؤجر إليه إنذارَين كتابيَّين مشروعَين بسبب التأخر في السداد، اكتسب المؤجر الحق في رفع دعوى إخلاء عند انقضاء تلك الفترة التعاقدية. وتوفر هذه الآلية للمؤجرين مساراً منظماً ومعترفاً به قانوناً للتعامل مع المستأجرين المتكررين في التأخر عن السداد.
الحق في الزيادة السنوية لأجرة الإيجار
يحق للمؤجرين الأتراك رفع أجرة الإيجار عند كل تجديد لعقد الإيجار. ومنذ الأول من يوليو 2024، رُفع السقف القانوني المؤقت الذي كان مفروضاً على إيجارات الوحدات السكنية، وعادت الزيادات في الأجرة إلى الخضوع للقاعدة الاعتيادية المنصوص عليها في المادة 344 من قانون الالتزامات التركي. وبموجب هذه المادة، لا يجوز أن تتجاوز أي زيادة مُتفق عليها في الأجرة نسبة التغير في متوسط مؤشر أسعار المستهلك (TÜFE) على مدى اثني عشر شهراً، الذي يُصدره معهد الإحصاء التركي (TÜİK). ويسري هذا السقف على إيجارات الوحدات السكنية، في حين يجوز التفاوض بحرية على زيادات إيجارات المحلات التجارية بين الطرفين، مع بقاء مؤشر TÜFE حداً أقصى قانونياً في جميع الأحوال.
أما عقود الإيجار السارية منذ أكثر من خمس سنوات، فيكتسب المؤجر بشأنها حقاً إضافياً بالغ الأهمية، وهو حق رفع دعوى تحديد الأجرة (kira tespit davası) أمام محكمة الصلح المدنية. وفي هذه الدعاوى، لا يتقيد القاضي بسقف مؤشر أسعار المستهلك، بل يملك تقدير الأجرة العادلة في السوق بالرجوع إلى العقارات المماثلة في المنطقة، استناداً إلى تقرير خبير متخصص. ويعكس هذا الحق اعتراف المشرع التركي بأن علاقات الإيجار الممتدة قد تؤدي إلى تدني الأجرة بصورة ملحوظة عن مستويات السوق السائدة.
الحق في إخلاء المستأجر
يُقيّد قانون الإيجار التركي الأسباب التي يجوز للمؤجر بناءً عليها طلب الإخلاء، غير أنه يُقرر حقوقاً واضحة ومحددة وقابلة للتنفيذ في ظروف بعينها.
ومن أكثر هذه الأسباب شيوعاً الإخلاء بسبب الحاجة الشخصية (ihtiyaç nedeniyle tahliye)، المنظّم بموجب المادة 350 من قانون الالتزامات التركي. فمتى ثبتت الحاجة الفعلية للمؤجر أو زوجه أو أصوله أو فروعه أو غيرهم ممن يلتزم القانون المؤجرَ بالإنفاق عليهم، إلى العين المؤجرة لاستخدامها مسكناً أو لممارسة نشاط تجاري، جاز له رفع دعوى إخلاء. ويُشترط في هذه الحاجة أن تكون حقيقية وجدية، إذ تُمحّص المحاكم التركية مثل هذه الادعاءات بعناية فائقة، وقد قضت محكمة النقض التركية (Yargıtay) بوجوب إثبات الضرورة بأدلة ملموسة لا بمجرد ادعاءات مرسلة.
وللمؤجر كذلك طلب الإخلاء حين تستلزم العين المؤجرة أعمال إعادة بناء جوهرية أو ترميمات أساسية يتعذر تنفيذها في وجود المستأجر. ويُجيز هذا الحق، المنصوص عليه هو الآخر في المادة 350، للمؤجر استرداد حيازة العقار طوال مدة الأعمال، وذلك وفق شروط إجرائية صارمة.
وعلاوة على ذلك، يمنح قانون الإيجار التركي المؤجرَ حق إنهاء عقد الإيجار بعد مضي عشر سنوات دون الحاجة إلى إبداء أي سبب، شريطة توجيه إشعار كتابي قبل ثلاثة أشهر على الأقل من انتهاء الفترة التعاقدية ذات الصلة. ويُكرّس هذا الحق، المقرر بموجب المادة 347، آليةً نهائية تُمكّن المؤجرين من استعادة حيازة عقاراتهم بعد علاقات إيجار مطوّلة دون الحاجة إلى إثبات سبب محدد للإنهاء.
الحق في إجراء أعمال التجديد والتعديل
بموجب المادة 320 من قانون الالتزامات التركي، يحتفظ المؤجر بحقه في إجراء تحسينات وترميمات وتعديلات أخرى على العين المؤجرة خلال مدة العقد، بشرط ألا تستوجب هذه الأعمال فسخ عقد الإيجار وأن تكون من طبيعة يُعقل توقع تحمّل المستأجر لها. وعند ممارسة هذا الحق، يلتزم المؤجر بمراعاة مصالح المستأجر، مع بقاء حق الأخير في خفض الأجرة وتعويضه عن أي أضرار تترتب على ذلك سارياً كاملاً. وتمنح هذه المادة المؤجرين قدراً معتبراً من السيطرة التشغيلية على عقاراتهم حتى في أثناء فترة الإيجار.
حق الحبس على المنقولات التابعة للمستأجر
من أبرز خصائص قانون الإيجار التركي حق الحبس القانوني (hapis hakkı) الذي يتمتع به المؤجر على المنقولات الموجودة في العين المؤجرة. وتنص المادة 336 من قانون الالتزامات التركي على ما يلي:
“في إيجار العقارات، يتمتع المؤجر بحق حبس على المنقولات الموجودة في العين المؤجرة والمخصصة لتأثيثها أو استخدامها، ضماناً لأجرة سنة منقضية وستة أشهر جارية.”
ويعمل هذا الحق بوصفه رهناً قانونياً يُخوّل المؤجر حبس أثاث المستأجر وأجهزته وسائر منقولاته المؤهلة ضماناً للأجرة غير المسددة. ولا يمتد حق الحبس إلى الأموال المعفاة من التنفيذ بموجب القانون التركي. وحين يُحاول المستأجر المغادرة أو نقل ممتلكاته، تُخوّل المادة 338 من القانون ذاته المؤجرَ التقدم إلى محكمة الصلح أو مكتب التنفيذ بطلب إصدار أمر بحبس قدر كافٍ من منقولات المستأجر لتغطية الدين القائم. وإذا أُخرجت هذه الأشياء خِفية أو بالقوة، جاز إعادتها إلى العين المؤجرة بمعاونة قوات الأمن في غضون عشرة أيام.
الحق في التعويض عن الأضرار التي تلحق بالعين المؤجرة
عند مغادرة المستأجر، يحق للمؤجر معاينة العقار والمطالبة بالتعويض عن أي ضرر يتجاوز حدود الاستهلاك الطبيعي. ويلتزم المستأجر بإعادة العين المؤجرة في الحال التي تسلّمها عليها، مع مراعاة التلف الناجم عن الاستخدام المعتاد وحده. فإذا كان المستأجر قد أحدث أضراراً بالهيكل الإنشائي للعقار أو بتجهيزاته الثابتة أو منشآته بسبب الإهمال أو سوء الاستخدام، جاز للمؤجر رفع دعوى تعويض. ويجوز ممارسة هذا الحق باستقلالية تامة عن أي تأمين تم تحصيله عند بدء العلاقة الإيجارية.
الحق في الفسخ بسبب الإخلال بالعقد
حين يُخلّ المستأجر إخلالاً جوهرياً ببنود عقد الإيجار، سواء باستخدام العين لأغراض مغايرة لما اتُّفق عليه، أو بالإضرار بالجيران، أو بإجراء تعديلات هيكلية غير مرخصة، أو بالتأجير من الباطن دون الحصول على موافقة المؤجر الكتابية، يكتسب المؤجر الحق في المطالبة بفسخ عقد الإيجار بسبب الإخلال التعاقدي. وتتولى المحاكم التركية تقدير هذه الانتهاكات بحسب ملابسات كل حالة على حدة، ومن المتوقع عموماً أن يوجّه المؤجر إنذاراً كتابياً رسمياً قبل اللجوء إلى الإجراءات القضائية. ويُكرّس قانون الإيجار التركي صراحةً اشتراط الموافقة الكتابية للتأجير من الباطن، وأي تأجير من هذا القبيل يتم بغير هذه الموافقة يُشكّل للمؤجر سبباً وجيهاً للمطالبة بالفسخ.
المحكمة المختصة وتسوية النزاعات
في تركيا، تختص محكمة الصلح المدنية (Sulh Hukuk Mahkemesi) بالنظر في النزاعات الناشئة عن عقود الإيجار. ومنذ استحداث متطلبات الوساطة الإلزامية في المسائل المدنية، بات يتعين على المؤجرين في كثير من الحالات محاولة التسوية بالوساطة قبل اللجوء إلى القضاء. والمحكمة المختصة مكانياً هي في الغالب محكمة موطن المستأجر أو محكمة مكان تنفيذ عقد الإيجار.
للمزيد من المساعدة أو الاستشارة في هذا الأمر، يمكنك الاتصال بنا.